الفيروز آبادي
546
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الّذى هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع . وأمّا الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته . وأمّا الهيبة فخوف مقارن للتعظيم والإجلال . وأكثر ما يكون مع المحبة والإجلال . فالخوف لعامّة المؤمنين ، والخشية للعلماء العارفين ، والهيبة للمحبّين ، والوجل للمقرّبين . وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخشية ، كما قال النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم « إني لأعلمكم باللّه وأشدّكم له خشية » وقال : « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ولما تلذّذتم بالنّساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى اللّه تعالى « 1 » » فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب والإمساك « 2 » ، وصاحب الخشية إلى الاعتصام بالعلم ، ومثلهما كمثل من لا علم له بالطّب ومثل الطّبيب الحاذق . فالأوّل يلتجئ إلى الحمية والهرب ، والطّبيب يلتجئ إلى معرفته بالأدوية والأدواء . وكلّ واحد إذا خفته هربت منه ، إلا اللّه ، فإنك إذا خفته هربت إليه . فالخائف هارب من ربّه إلى ربه .
--> ( 1 ) ورد في الجامع الصغير ، وليس فيه : « ولما تلذذتم بالنساء على الفرش » والصعدات جمع الصعد وهو جمع الصعيد للطريق . ( 2 ) كذا . وكأن المراد به الامساك عما يوجب الخوف . وقد يكون محرفا عن « الانسلال »